الشيخ محمد هادي معرفة
433
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
عنده وينتقش في ذهنه ، كفى ذلك الانتقاشَ حكمُه . قال الشاعر : أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبي خاليا فتمكّنا فتستغني الجملة عن مؤكّدات الحكم ، وسمّي هذا النوع من الخبر ابتدائيّا . وإذا ألقاها إلى طالبٍ لها ، متحيّرٍ طرفاها عنده دون الاستناد ، فهو منه بين بين لينقذه عن ورطة الحيرة ، استحسن تقويته بتوكيد ، مثل إدخال اللام في الجملة أو « إنّ » . نحو : لزيد عارف أو إنّ زيدا عارف . وسمّي هذا النوع من الخبر طلبيّا . أمّا إذا ألقاها إلى معتقد خلافه ليردّه إلى الصّواب ، استوجب ذلك توكيده بحسب ما اشرب من درجة الإنكار . نحو : إنّي لصادق ، لمن ينكر صدقك إنكارا . وإنّي لصادق ، لمن يبالغ في إنكار صدقك . وواللّه إنّي لصادق ، على هذا . أي إذا تصاعد في إنكار وبالَغَ . قال : وإن شئت فتأمّل كلام ربّ العزّة : « وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ . إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما ، فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ . قالُوا : ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ، وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ . قالُوا : رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ . . . » « 1 » . حيث قال - أوّلًا - : « إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ » . وقال - ثانيا - : « إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ » . فقد زاد التوكيد حسب زيادة الإنكار والجموح . ويسمّى هذا النوع من الخبر إنكاريّا . وإخراج الكلام في هذه الأحوال على الوجوه المذكورة ، يسمّى إخراج الكلام وفق مقتضى ظاهر الحال ، ويسمّى في علم البيان بالتصريح . قال : والذي أريناك - إذا أعملت فيه البصيرة - استوثقت من جواب أبي العباس « 2 » للكندي « 3 » حين سأله قائلًا : إنّي أجد في كلام العرب حشوا ، يقولون : عبداللّه قائم ، ثمّ يقولون إنّ عبداللّه قائم ، ثمّ يقولون إنّ عبداللّه لقائم ، والمعنى واحد !
--> ( 1 ) - يس 13 : 36 - 16 . ( 2 ) - هو أبو العباس محمّد بن يزيد الأزدي البصري النحوي اللغوي صاحب الكامل ومعاني القرآن . توفي سنة 285 . ( 3 ) - هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق ، فاضل دهره وواحد عصره وكان له انحراف في عقيدته . من أحفاد الأشعث . مات 246 .